في موقعك كشريك مدير قد يبدو لك المشهد مثاليًا وأنت تطالع لوحة تحكم تزدان مؤشراتها باللون الأخضر؛ حيث تتدفق التقارير الأسبوعية بانتظام، وتتوالى تأكيدات الفريق القانوني في كل اجتماع بأن كافة المسارات الإجرائية تتبع الجدولة الزمنية المعتمدة. ومع ذلك غالبًا ما يساورك حدس إداري ينبئك بوجود تصدّعات خفية في البنية التشغيلية، وهو حدس يجد تصديقه بمحض الصدفة عند اكتشاف فجوة إجرائية غير محسوبة في قضية استراتيجية، أو حين يظهر ارتباك التنسيق بوضوح بمجرد غياب أحد الكوادر الرئيسية. هنا يبرز وهم السيطرة في أوضح صوره؛ إذ تستحيل التقارير التقليدية قناعًا إداريًا يحجب خلفه نقاط العمى الإدارية التي تعجز أدوات الرقابة التقليدية عن رصدها، مهما بلغت درجة يقظة وحرص الإدارة العليا.
يفرض هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا يتجاوز المظاهر الشكلية: لماذا تخفق مكاتب المحاماة في معرفة حالة القضايا بدقة؟ تكمن جذور الإجابة في معضلة بنيوية تتمثل في ارتهان أغلب الكيانات لذاكرة بشرية موزعة تفتقر لإطار حوكمة مركزي يربط أطراف العملية التشغيلية في سياق واحد. فبمجرد تحول البيانات الأساسية إلى امتياز معرفي ينفرد به المحامي بمعزل عن الكيان المؤسسي، تتبدّد السيادة المعلوماتية للمكتب؛ ما يضع القيادة في وضعية رد فعل دائمة تنتظر وقوع الأزمات لتبدأ رحلة التقصي والتحقق، في حين يقتضي المفهوم الرصين لإدارة القضايا في مكاتب المحاماة بناء منظومة استباقية تنتزع الحقيقة التشغيلية من صلب النظام، لفرض السيطرة الكاملة على سير العمل القانوني بيقين مؤسسي مطلق لا يقبل التأويل.
ما المقصود فعلًا بـ “معرفة حالة القضية”؟
في العُرف الإداري التقليدي يُعتقد أن معرفة الحالة تعني الاطلاع على آخر تحديث أو نتيجة الجلسة الأخيرة. لكن من منظور حوكمة العمل القانوني فإن الحالة الحقيقية هي صورة ثلاثية الأبعاد تتجاوز الوصف السردي لتشمل ثلاثة أبعاد سيادية لا غنى عنها للسيطرة التشغيلية:
- الموقف الإجرائي القانوني: لا يتعلق الأمر بما تم تنفيذه فحسب، وإنما بمدى مطابقة تلك الإجراءات لاستراتيجية الدفاع المعتمدة من المكتب. هل يسير فريق القضية وفق المسار الذي رسمته المؤسسة، أم أن هناك انحرافًا ناتجًا عن اجتهاد فردي غير مراقب؟
- الموقف الزمني والرقابي: رصد الفجوة الزمنية بين وقوع الإجراء وبين توثيقه في سجلات المكتب، في بيئة المحاماة المعلومة التي تصل متأخرة تعتبر معلومة مضلّلة لأنها تحرم الإدارة من فرصة التدخل في الوقت المناسب.
- الحالة التشغيلية للقضية: قياس مدى ارتهان القضية للمحامي المسؤول عنها، هل يستطيع المكتب الاستمرار في إدارة الملف بنفس الكفاءة إذا غاب هذا المحامي غدًا؟ إن عجز الإدارة عن الإجابة على هذا السؤال هو المؤشر الأول على غياب إدارة القضايا في مكاتب المحاماة بشكل مؤسسي.
عندما يفتقر المدير لهذه الأبعاد تزداد صعوبة متابعة القضايا القانونية ويتحول التقرير من أداة للتحكم إلى مجرد نص وصفي يفتقر لجوهر المساءلة الموضوعية. هذا الوضع هو ما يقودنا حتمًا لمواجهة التساؤل الجذري الذي يلامس بنية التحكم في المكتب: لماذا لا يستطيع مدير المكتب معرفة الحالة الحقيقية للقضايا في أي لحظة؟ والسبب أن الإدارة لا تزال ترتهن للروايات الذاتية للأفراد عوضًا عن الاحتكام لصرامة النظام.
كيف تبدأ فجوة الرؤية داخل مكاتب المحاماة؟
تبدأ الفجوة في اللحظة التي تكتفي فيها الإدارة بالثقة كبديل عن التحقّق، مع تعاظم عدد الملفات وتعدّد الفرق القانونية تتحول هذه الثقة من قيمة أخلاقية إلى عائق تشغيلي ضخم يسمح بنمو نقاط العمى الإدارية، تنشأ هذه النقاط عندما تنفصل المعلومة عن النظام المركزي للمكتب؛ فالمحامي بطبعه وضمن سعيه لتخفيف الضغط الرقابي يميل لتقديم أفضل صورة ممكنة لعمله، مما يجعل التحديثات اليدوية محمّلة بانحيازات بشرية تهدف للاسترضاء الإداري لا المكاشفة التشغيلية، وهنا يبرز سؤال محوري: كيف تفقد الإدارة الرؤية الدقيقة للقضايا؟ والسبب ببساطة أن الحقيقة لا تزال امتيازًا شخصيًا للموظف وليست ملكًا للمكتب ككيان، وهذا الوضع يمثل جذور وهم السيطرة الذي يجعل الإدارة تظن أنها تملك زمام الأمور بينما هي فعليًا تسير وفقاً لما يقرر الآخرون الإفصاح عنه.
لماذا لا تكفي التحديثات والتقارير لفهم الوضع الحقيقي؟
الافتراض الخاطئ الذي نسعى لكسره في هذا السياق هو اعتبار كثرة التحديثات والتقارير الدورية دليلًا كافيًا على امتلاك الإدارة للرؤية الشاملة والسيطرة الفعلية. ففي الواقع تظل التقارير اليدوية مجرد صورة فوتوغرافية ثابتة لواقع قانوني وإجرائي شديد التغيّر؛ فهي بطبيعتها تخبرك بما حدث في الماضي -أي أنها بيانات تاريخية- بينما تعجز تمامًا عن كشف الفجوات التشغيلية أو ما كان يجب أن يُنجز ولم يتم تنفيذه بعد. وبحكم تركيبته يصمت التقرير التقليدي تمامًا عن الإخفاقات غير المكتشفة مما يجعله أداة لتأكيد المؤكّد وليس أداةً للرقابة الاستباقية.
لهذا السبب يظل سؤال: متى تصبح “آخر تحديثات القضية” غير كافية لفهم وضعها الفعلي؟ هو التساؤل التشخيصي الأهم لأي شريك مدير يسعى لتحويل المكتب من الإدارة بالصدفة إلى الإدارة بالحوكمة. فكل تحديث لا يُخضِع الإنجاز الفعلي للمقارنة المباشرة مع الخطة الزمنية الصارمة والمعايير المهنية للمكتب، يمثل تحديثًا مضللًا يعزّز نقاط العمى الإدارية، ويخلق حالة من الاطمئنان الكاذب تسبق عادةً الانفجارات والأزمات الكبرى مع الموكّلين، إذ يتجاوز الإشراف على القضايا بمفهومه الحوكمي الرصين حدود الاكتفاء بـ قراءة ما يُكتب لك، ليصبح استحقاقًا لنظام رقابي مؤسسي يمتلك القدرة على إخبارك بدقة عمّا لم يُكتب، وعن المهام التي سقطت من جدول التنفيذ قبل أن تتحول إلى مسؤولية قانونية أو مهنية تهدد سمعة الكيان.
وهم السيطرة: عندما تبدو القضايا مستقرة لكنها ليست كذلك
لقد فصّلنا في تحليلنا السابق لماذا تبدو القضايا “تحت السيطرة” بينما الواقع مختلف؟ وكيف أن حالة الهدوء الإجرائي الزائف غالبًا ما تكون القناع المثالي الذي يغطي كوارث مهنية وشيكة وتراكمات قانونية مهمَلة. إن الاطمئنان التشغيلي الناتج عن غياب المشكلات الظاهرة هو أضعف أنواع الإدارة؛ فالرؤية الإدارية الحقيقية والسيادية لا تُستجدى عبر الاستجوابات المتكررة لفريق القضية، ولا تُبنى على الاسترسال الشفهي للمحامين، إنما هي نتيجة حتمية تُستَخلص من نظام رقابي صلب يفرض الحقيقة التشغيلية فرضًا، ويضمن بقاء كل ملف تحت المجهر المؤسسي الدائم بمعزل عن أهواء الأفراد أو تقديراتهم الشخصية.
حين يعتمد استقرار مكتبك وقراراتك الاستراتيجية على غياب الشكاوى المعلنة أو الاكتفاء بتقارير الانتهاء الختامية، فأنت لا تدير مؤسسة، وإنما تدير منظومة ثقة هشّة محكوم عليها بالانهيار الفوري أمام أول رحيل مفاجئ أو غياب لمحامٍ يمتلك تفاصيل المعلومة وأسرار العمل في ذاكرته الشخصية دون تدوين مؤسسي عابر للأشخاص. إن هذا الارتهان لذاكرة الأفراد وتحويل المعلومة القانونية إلى ملكية خاصة للموظف يمثل النقيض التام لمفهوم الحوكمة والمساءلة؛ حيث تتحول أصول المكتب المعرفية إلى رهائن تشغيلية، مما يجعل المكتب في حالة انكشاف هيكلي دائم يهدد استدامته وقابليته للدفاع القانوني عن إجراءاته.
كيف تتراكم الأعراض لتصنع خطرًا تشغيليًا واحدًا؟
عندما تجتمع صعوبة متابعة القضايا القانونية مع غياب الرقابة التشغيلية تتكون كرة ثلج من المخاطر الإدارية، تبدأ الأعراض بتأخير بسيط في تحديث ثم تتطور إلى تضارب البيانات وصولًا إلى اتخاذ قرارات إدارية وقانونية في توقيت خاطئ. يكمن الخطر الحقيقي في تأخر التدخل الإداري؛ فبسبب غياب الرؤية الإدارية الدقيقة لا تظهر المشكلات إلا عند تحولها إلى أزمات فعلية مع الموكّلين أو الجهات القضائية، هذا التراكم هو ما نسميه العمى الإداري التشغيلي حيث يصبح مدير المكتب آخر من يعلم بوجود الخلل، وبالتالي حين نتساءل ما أسباب غياب الرؤية التشغيلية في القضايا القانونية؟ نجد أن الإجابة تكمن في الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها بدون حوكمة ستحل المشكلة، بينما الواقع يؤكد أن أتمتة الفوضى لا تنتج إلا فوضى أسرع.
إن الفشل في معرفة حالة القضية بدقة لا يعود إلى نقص المعلومات، بل إلى غياب إطار يربط التحديثات، المهام، والتوقيت في صورة تشغيلية واحدة مفهومة للإدارة. إذ لا تبدأ السيادة المؤسسية إلا حين يُستبدل الارتهان للتقديرات الفردية بنظام تحكم مركزي يفرض الحقائق التشغيلية بصورة موضوعية لينتقل المكتب من ارتباك رد الفعل إلى ثبات السيطرة الاستباقية، حيث لا مكان للظنون إنما لليقين المعلوماتي المستمد من صرامة الحوكمة.
الانتقال من “وهم السيطرة” إلى “اليقين التشغيلي لا يحتاج إلى قرارات انفعالية، بل يتطلب شجاعة مواجهة الواقع بالأرقام. اعتمد على دليلنا التشخيصي لفهم حالة القضايا بدقة كمعيار موضوعي يحدد لك بدقة مكامن الخطر الهيكلي في مكتبك، بمعزلٍ تام عن انطباعات الفريق أو ستارة التقارير الروتينية.
الأسئلة الاستراتيجية الشائعة:
- هل تعني حوكمة النظام إلغاء دور الثقة في فريق العمل؟ على العكس تمامًا الحوكمة هي الضامن الوحيد لحماية الفريق المتميز عبر توثيق إنجازاتهم بموضوعية بعيدًا عن التقييمات الشخصية. فالثقة في بيئة المحاماة يجب أن تكون ثقة مبنية على التحقّق؛ حيث يوفر النظام الأدلة التي تدعم هذه الثقة ويحمي المكتب من الانحرافات الفردية غير المقصودة التي قد يرتكبها أكثر الموظفين إخلاصًا.
- كيف يمكن للمكتب التمييز بين “التقرير الإنشائي” و”الحقيقة التشغيلية”؟ يركز التقرير الإنشائي على سرد الإجراءات التي تمت (ماذا فعلنا؟) بينما الحقيقة التشغيلية تُظهر الفجوة بين الإنجاز وبين المعيار (لماذا فعلنا ذلك الآن؟ وهل تأخرنا؟). إذا كان التقرير لا يجيب بوضوح على سؤال “ما هي المهام التي لم تُنفذ وكان يجب تنفيذها؟” فهو تقرير يعزز وهم السيطرة ولا يعكس الواقع التشغيلي.
ما هو أول إجراء عملي لاستعادة السيادة المعلوماتية داخل المكتب؟ الخطوة الأولى والأهم هي فك الارتباط القسري بين المعلومة القانونية والذاكرة الشخصية للمحامي، يجب نقل مسار التحديثات من قنوات التواصل الجانبية المشتتة مثل الواتساب والإيميلات الشخصية إلى مصدر موحد للحقيقة يضمن أن تكون كل معلومة ملكًا أصيلًا للمكتب مما يتيح للإدارة رؤية الحالة التشغيلية الحقيقية للقضايا بشكل مستقل تمامًا عن وجود الأفراد أو غيابهم.





