تخيل أنك تجلس في قاعة الاجتماعات تستعد لاستقبال موكِّل مهم لمناقشة اللمسات الأخيرة في قضية استحواذ ضخمة أو نزاع تجاري معقد، أمامك التقرير التشغيلي النهائي الذي أعدّه فريقك وبناءً عليه قمت بصياغة وعودك المهنية ورسمت خارطة طريق قانونية واثقة. لكن قبيل دخول الموكِّل بلحظات، يهمس المحامي المسؤول في أذنك بأن هناك تحديثًا جوهريًا وصل عبر قناة تواصل جانبية لم يتم دمجه في السجل الرسمي، أو أن مستندًا حاسمًا قد استُلم يدويًا ونسي إضافته إلى الملف المشترك الذي عكفتَ على دراسته طوال الليل. في تلك اللحظة الحرجة، تدرك أن العمل الجماعي الذي كنت تراه ميزة تنافسية لمكتبك قد تحول في غياب الحوكمة إلى نظام لإنتاج نسخ متصارعة من الحقيقة، مما يضعك أمام مخاطر مهنية تتجاوز الحرج الإداري لتصل إلى حد الإخلال بواجبات الإشراف والمسؤولية القانونية عن دقة الاستشارة.
هذا الموقف هو العَرَض الظاهر لما نسميه بتشظّي البيانات التشغيلي. يحدث هذا الفشل البنيوي نتيجة افتراض سائد بأن حشد الكفاءات حول ملف واحد يضمن تلقائيًا تزامن المعلومات بينما الواقع يؤكّد أن زيادة عدد المشاركين في القضية دون إطار حوكمة صارم لا تضمن دقة البيانات وإنما تضاعف احتمالية وجود “نسخ متوازية” من الحقيقة. في هذه البيئة يتحول الفريق إلى جُزُر معلوماتية معزولة حيث يمتلك كل عضو رواية خاصة ومستندات غير متزامنة، مما يجعل من مهام التدقيق والمُساءلة عبئًا مستحيلًا عند حدوث أي تقصير إجرائي قد يُكلِّف المكتب سمعته ومصداقيته أمام القضاء أو الموكلين.
لماذا لا يعني العمل الجماعي بالضرورة وضوح البيانات؟
يُسبب العمل الجماعي تضارب البيانات لأن التحديثات تتم عبر قنوات غير متزامنة وتفتقر لبروتوكول إدخال موحّد، فانفصال الحقيقة الإجرائية عن الواقع الفعلي يخلق تضاربًا غير مرئي يظهر فقط عند الأزمات أو لحظة عرض الصورة الكاملة، حيث يُحدّث المحامي مسودته في البريد، ويدوّن المساعد موعد الجلسة في مفكرته، ويناقش الشريك التسوية هاتفيًا دون توثيق مركزي.
إن جوهر المشكلة في تضارب البيانات في العمل الجماعي يكمن في تغليب سرعة التنفيذ على دقة التحكم، في البيئات غير المحوكمة، يجري تداول المعلومات كأمانة شخصية بين الأفراد بدلًا من كونها أصلًا مؤسّسيًا مُسجّلًا. هذا الاعتماد على الذاكرة الشخصية أو القنوات الجانبية يجعل صورة القضية مشوشة في ذهن الإدارة مما يدفعها لاتخاذ قرارات بناءً على توقعات لا على حقائق تشغيلية راسخة.
كيف تتعدّد نقاط إدخال وتحديث البيانات داخل القضية؟
تتعدّد نقاط الإدخال نتيجة غياب المركزية في إدارة البيانات القانونية، ففي المكتب التقليدي تتدفق المعلومة عبر خمس قنوات غير مترابطة: المراسلات الشخصية، الملاحظات اليدوية، تحديثات الملفات المحلية، التواصل الشفهي، وتطبيقات المراسلة. هذا التّشتت يمنع مزامنة البيانات ويجعل تعدد المشاركين في القضية عبثًا تشغيليًا يزيد من نقاط الضعف والهفوات.
عندما يعمل الفريق بهذا الأسلوب يستحيل الإجابة على سؤال: “ما هي الحالة النهائية والدقيقة لهذه القضية الآن؟” فكل عضو سيعطيك إجابة صحيحة من وجهة نظره ولكن لا توجد إجابة واحدة تعبّر عن المكتب ككيان قانوني واحد. هذا التّشتت هو السبب الجذري لتساؤلنا الدائم عن سبب اختلاف رواية القضية بين المحامي والمساعد القانوني في معظم مكاتب المحاماة التي تعاني من ضعف الحوكمة التشغيلية.
أثر غياب التّنسيق على نسخة الحقيقة:
في غياب الحوكمة يتوقف المكتب عن امتلاك ملف قضية ويبدأ في امتلاك روايات متقاطعة مما يؤدي لمخاطر تشغيلية جسيمة منها:
- اتخاذ قرارات بناءً على بيانات غير متزامنة: موافقة الشريك على إجراء قانوني بناءً على معلومة قديمة بينما يمتلك عضو آخر تحديثًا يغيّر الموقف تمامًا.
- صعوبة تحديد المسؤول عن الخطأ: ضياع المعلومة بين البريد والمكالمات يجعل التحقيق الداخلي مستحيلًا لتحديد من المسؤول عن فوات موعد نهائي أو تقديم مستند خاطئ.
- تآكل ثقة الموكِّل: تضارب الإجابات التي يتلقاها الموكّل من أعضاء الفريق يعطي انطباعًا بعدم الكفاءة مهما بلغت العبقرية القانونية للفريق.
إن الهدف من متابعة القضايا القانونية هو ضمان أن كل حركة إجرائية تنعكس فورًا في ملف الحقيقة الكاملة لضمان وحدة القرار القانوني، وليس الهدف منها رصد المواعيد والإجراءات بشكل آلي.
متى يتحول التعاون إلى مصدر فوضى بيانات؟
يتحول التّعاون إلى فوضى حتمية عند محاولة توسيع نطاق عمل المكتب، فكلّما زاد عدد القضايا وتضاعف توزيع الأدوار القانونية، زادت احتمالات الخطأ بشكل مؤكد. في هذه المرحلة يكتشف المدير الشريك أن زيادة الأفراد لم تزد جودة المخرجات لكنّها زادت الوقت الضّائع في تصفية التناقضات بين المحامين ومحاولة تجميع أجزاء الحقيقة المتناثرة.
ليس تضارب البيانات مشكلة تواصل تُحَل باجتماع أسبوعي، إنّه فشل حوكمة يتطلّب إعادة تأطير الطريقة التي يُدار بها المكتب تشغيليًا، لأن الحوكمة تتطلّب أن تكون المعلومة هي القائد المُحرِّك للفريق وليس رغبات أو ذاكرة الأفراد.
لماذا يكشف العمل الجماعي ضعف الإطار التشغيلي؟
يُمثّل العمل الجماعي الاختبار الحقيقي لمتانة الأنظمة لا كفاءة الأفراد، فأي مكتب محاماة يواجه ارتباكًا معلوماتيًا أو تضاربًا في البيانات بمجرد غياب أحد المحامين أو انشغاله، فإن ذلك يشير بوضوح إلى أن السيطرة التشغيلية ما هي إلا وهمٌ قائمٌ على الاجتهادات الفردية مفتقرةً إلى وجود نظام مؤسسي يضمن دقة المُساءلة واستمرارية العمل.
إذ تقتضي الحوكمة أن تكون بيانات القضية كيانًا مستقلًا متاحًا وقابلًا للتّدقيق في كلّ حين. ومن هذا المنطلق ينبغي لتعدّد المشاركين في الملف الواحد أن يؤدي إلى تعميق المساءلة من خلال سجلات موثّقة تكشف بدقة مصدر كل معلومة ومسار تطورها لضمان الوصول إلى حالة التّحكُّم الكامل التي تتوحّد فيها أوجه الحقيقة وتتضح فيها المسؤوليات التشغيلية بالتفصيل.
أسئلة استراتيجية مُهمّة:
1. هل تعدّد الأدوات التقنية يقلّل من تضارب البيانات؟ على العكس، تعدّد الأدوات (بريد، واتساب، مجلدات مشتركة) دون إطار توحيد حوكمي هو المسبّب الأول لتضارب البيانات. الحوكمة تعني تقليل نقاط الإدخال وضبطها لضمان مزامنة نسخة واحدة وكاملة للحقيقة.
2. كيف يؤثر تضارب البيانات على المسؤولية المهنية للشريك؟ الشريك مسؤول قانونيًا وتأديبيًا عن أخطاء فريقه. فتضارب البيانات يرفع من مخاطر تعرّض المكتب للمُساءلة نتيجة أخطاء إجرائية لم يرها الشريك في الوقت المناسب بسبب ضياعها في قنوات جانبية.
3. هل يكفي استخدام نظام إدارة قضايا لمنع تضارب البيانات؟ التقنيّة وحدها لا تحل مشكلة الحوكمة. النظام هو وعاء فقط إذا لم تكن هناك سياسات حوكمة تُلزِم الفريق بأن يكون النظام هو المكان الوحيد والنهائي لتحديث البيانات، فسيستمر التضارب عبر القنوات الجانبية والاجتهادات الشخصية.
فهل أنت واثق من أن جميع أعضاء فريقك، في هذه اللحظة، يُحدّثُون نفس الملف ويعتمدون نسخة الحقيقة نفسها؟





